أحمد مصطفى المراغي
149
تفسير المراغي
والمعنى - أأرباب كثيرون هذا شأنهم في التفرق والانقسام ، وما يقتضيه ذلك من التنازع والاختلاف في الأعمال والتدبير الذي يفسد النظام - خير لكما ولغيركما فيما تطلبون من كشف الضر وجلب النفع وكل ما تحتاجون فيه إلى المعونة من عالم الغيب ، أم اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا ينازع ولا يعارض في تصرفه وتدبيره ، وله القدرة التامة والإرادة العامة ، وهو المسخر لجميع القوى والنواميس الظاهرة التي تقوم بها نظم العوالم السماوية والأرضية من نور وهواء وماء ، والغائبة عنا كالملائكة والشياطين مما كان الجهل بحقيقتها هو سبب عبادتها والقول بربوبيتها ؟ ولا شك أن الجواب عن هذا مما لا يختلف فيه عاقل ، فلا خير في تفرق المعبودات التي لا تستطيع ضرّا في الأرض والسماوات . ثم بين لهما أن ما يعبدونه ويسمونه آلهة إنما هي جعل منهم ، وتسمية من تلقاء أنفسهم ، تلقاها خلف عن سلف ليس لها مستند من العقل ولا الوحي السماوي فقال : ( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) أي ما تعبدون من دون الواحد القهار إلا أسماء لمسميات وضعتموها أنتم وآباؤكم من قبلكم ونحلتموها صفات الربوبية وأعمالها ، وما هي بأرباب تخلق وترزق ، وتضر وتنفع ، ما أنزل اللّه حجة وبرهانا على أحد من رسله بتسميتها أربابا ، حتى يقال إنكم تتبعونها تعبدا له وحده وطاعة لرسله . والخلاصة - إنها تسمية لا دليل عليها من نقل سماوي فتكون أصلا من أصول الإيمان ، ولا دليل عليها من عقل فتكون من نتاج الحجة والبرهان . ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) أي ما الحكم الحق في الربوبية والعبادة إلا للّه وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله ولا يمكن بشرا أن يحكم فيه بهواه ورأيه ، ولا بعقله واستدلاله ، ولا باجتهاده واستحسانه ، وهذه قاعدة اتفقت عليها كل الأديان ، دون اختلاف في الأمكنة والأزمان . ثم بين ما حكم به اللّه فقال : ( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) أي أمر ألا تعبدوا غيره ولا تدعوا سواه ، فله وحده